النويري
55
نهاية الأرب في فنون الأدب
وفى خمسين منها موعظة وحكمة ؛ ولم يكن فيها حلال ولا حرام ، ولا حدود ولا أحكام ؛ وذلك قوله تعالى : * ( ( وآتَيْنا داوُدَ زَبُوراً « 1 » ) ) * . ومنها : الصوت الطيّب ، والنغمة اللذيذة ، والترجيع في الألحان ؛ ولم يعط اللَّه تعالى أحدا من خلقه مثل صوته ، فكان يقرأ الزّبور بسبعين لحنا بحيث يعرق المحموم ويفيق المغشىّ عليه . وكان إذا قرأ الزبور برز إلى البرّيّة ، فيقوم ويقرأ ويقوم معه علماء بني إسرائيل خلفه ، ويقوم الناس خلف العلماء ، وتقوم الجنّ خلف الناس ، وتقوم الشياطين خلف الجنّ ، وتدنو الوحوش والسباع حتى تؤخذ بأعناقها ، وتظلَّه الطير مصيخة « 2 » ، ويركد الماء الجاري ويسكن الريح . قال الثعلبىّ : وما صنعت المزامير والبرابط « 3 » والصّنوج إلَّا على صوته ، وذلك أنّ إبليس حسده واشتدّ عليه أمره ، فقال لعفاريته : ترون ما دهاكم ؟ فقالوا : مرنا بما شئت . قال : فإنه لا يصرف الناس عن داود إلَّا ما يضادّه ويحادّه « 4 » في مثل حاله . فهيّأ المزامير والأعواد والأوتار والملاهي على أجناس أصوات داود - عليه السلام - فسمعها سفهاء الناس فمالوا إليها واغترّوا بها . ومنها : تسبيح الجبال والطير معه ؛ قال اللَّه تعالى : * ( ( ولَقَدْ آتَيْنا داوُدَ مِنَّا فَضْلًا يا جِبالُ أَوِّبِي مَعَه والطَّيْرَ « 5 » ) ) * . وقوله تعالى : * ( ( إِنَّا سَخَّرْنَا الْجِبالَ مَعَه يُسَبِّحْنَ بِالْعَشِيِّ والإِشْراقِ « 6 » ) ) * . يقال : إن داود كان إذا تخلَّل الجبال يسبّح اللَّه تعالى جعلت الجبال
--> « 1 » سورة النساء آية 163 « 2 » كذا في قصص الأنبياء للثعلبي المخطوطة . ومصيخة أي مصغية مستمعة . وفى الأصل : « مسبحة » وهو تحريف . « 3 » البرابط : العيدان . « 4 » يحادّه : يعاديه . « 5 » سورة سبأ آية 10 « 6 » سورة ص آية 18